الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

294

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

من يتكبر يحسد ، إذ لا يرى المتكبر المواهب إلا لنفسه ، ويتألم إذا انصرفت لغيره حسدا منه وجهلا . ثم تضيف الآية : ما هم ببالغيه . إن هدفهم أن يروا أنفسهم كبارا ، يفاخرون بذلك ويفتخرون على غيرهم ، لكنهم لن يحصدوا سوى الذلة والخسران ، ولن يصلوا بطريق التكبر والغرور والعلو والمجادلة بالباطل إلى ما يبتغونه ( 1 ) . في نهاية الآية تعليمات قيمة لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأن يستعيذ بالله من شر هؤلاء المتكبرين المغرورين الذين لا منطق لهم ، حيث يقول تعالى : فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير . فهو - تعالى - يسمع أحاديثهم الباطلة الواهية ، وينظر إلى مؤامراتهم وأعمالهم القبيحة وخططهم الشريرة . والاستعاذة بالله لا تنبغي لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وحده وحسب ، وإنما تجب على كل السائرين في طريق الحق عندما تتعاظم الحوادث ويستعر الصدام مع المتكبرين عديمي المنطق ! لذلك نرى استعاذة يوسف ( عليه السلام ) عندما تواجهه العاصفة الشديدة المتمثلة بشهوة " زليخا " يقول : معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي فكيف أخون عزيز مصر الذي أكرمني وأحسن وفادتي . وفي آيات سابقة من نفس هذه السورة نقرأ أن كليم الله موسى ( عليه السلام ) قال : إني

--> 1 - ثمة بين المفسرين كلام حول مرجع الضمير في قوله : " بالغيه " أشهره قولان : الأول : أن يعود الضمير إلى " كبر " وتكون " ما هم ببالغيه " جملة وصفية ل‍ ( كبر ) ويكون المعنى هكذا : إنهم لا يصلون إلى مقتضى وهدف تكبرهم ( في الواقع حذف هنا المضاف والتقدير " ما هم ببالغي مقتضى كبرهم " ) . الثاني : أن يعود الضمير إلى " جدال " الذي يستفاد من جملة " يجادلون " والمعنى أنهم لن يصلوا إلى هدف جدالهم المتمثل بإبطال الحق . ولكن في هذه الحالة لا تستطيع أن نقول : إن الجملة صفة ل‍ ( كبر ) بل ينبغي أن نعطفها على ما سبقها مع حذف العاطف .